أمن الخليج

إيران على عتبة إنتاج سلاح نووي (1)

الأهداف العسكرية للنووي الإيراني بدأت مع حكم خامنئي

د. سامي الفرج
أصدر مدير مركز الكويت للدراسات الاستراتيجية الدكتور سامي الفرج دراسة وافية تدلل على الاسانيد التي اصبحت المنهج الذي ارست عليه الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقريرها الاخير، حول البرنامج النووي الايراني. وفي ضوء هذه الأدلة التي محصت ما يزيد على 23 شهرا أعطت الوكالة «دليلا معتبرا considerable evidence» بأن طهران تسعى إلى الحصول على قدرات نووية عسكرية.
واذا ما كانت طهران قد دخلت فعلا على خط انتاج اسلحة نووية، فإن هذا التطور الأخير سيخل بتوازن القوى القائم حاليا بين العرب وايران، ويجعل الباب مفتوحا امام كل احتمالات عدم الاستقرار، وسباق التسلح النووي في منطقة الخليج والشرق الأوسط.
واهمية التقرير الذي اعده الدكتور سامي الفرج، وخص به القبس، تكمن في أن يعرف المواطن الكويتي خفايا البرنامج النووي الذي تدعي إيران أنه لأغراض سلمية فقط، ومن أجل حسم النقاش الدائر في مجتمعنا بين مؤيدي إيران ومناهضيها.
وفي ما يلي نص التقرير:

تمهيد
يكتسب هذا التقرير أهمية استثنائية عن كل سابقيه، لكونه يحاول أن يجيب وبصورة حاسمة عن السؤال الذي مازال يثير قلق المجموعة الدولية، وهو ببساطة: هل تحاول إيران فعلا تطوير تكنولوجيا نووية للاستخدام السلمي فقط، أم أنها تحاول أيضا الحصول على قدرات نووية عسكرية أيضا؟ ومتى سوف تحقق ذلك؟
سنجيب عن هذا السؤال بكل حيادية وموضوعية، معتمدين في ذلك على كل ما هو متوافر لنا من معلومات مدعمة بتقارير دولية، سواء من دول أو منظمات دولية، أو مراكز دراسات متخصصة، أو مختصين مستقلين. من المهم في البداية التوضيح أن ليس هنالك من حالة سابقة لدولة قامت بتطوير قدرات نووية عسكرية، وكان هذا واضحا للمجموعة الدولية بصورة حاسمة، إلا بعد أن خرجت هذه الدول على العالم بنبأ قيامها بتفجير ناجح، وذلك بسبب أن كل هذه الدول أخفت الأمر لاتصاله بمصالحها العليا. وعلى هذا النسق سارت كل من إسرائيل وجنوب إفريقيا والهند وباكستان والبرازيل وغيرها.

تاريخ السعي الإيراني إلى التفوق النووي
يقول التقدير الاستخباري الوطني للولايات المتحدة في فترة مبكرة جدا، وهي عام 1974 أنها ما هي إلا فترة وجيزة فقط، وتتحول أحلام الشاه محمد رضا بهلوي بالنسبة إلى المشروع الوطني النووي الإيراني – الذي كان في مرحلة التخطيط حينئذ – إلى التوجه العسكري، خاصة بعد نجاح الهند في إنجاز أول تفجير ناجح لقنبلة نووية في مايو 1974، ولقد لعبت عوامل عدة دورا في تأخير التوجه النووي العسكري لإيران، منها وقف الدعم التكنولوجي الغربي لإيران، فيما بعد الثورة الإسلامية في فبراير 1979. ولكن أهم عامل في تأخير هذا التوجه كان بالتحديد عزوف زعيم الثورة الإسلامية الإمام روح الله الخميني عن هذا التوجه، لأسباب دينية بحتة تتعلق بكون السلاح النووي سلاح تدمير شامل لا يفرق بين المحاربين وغير المحاربين.
ولكن بوصول آية الله علي خامنئي إلى سدة الحكم، فيما بعد وفاة الإمام الخميني في يونيو 1989، حصل تحول كبير في السياسة النووية الإيرانية، إذ أصبح واضحا أن إيران، وإن كانت تنفي أن لبرنامجها النووي أية أهداف عسكرية، إلا أن هذه الأهداف تبدو واضحة لعيون المراقبين المتمرسين.
وفي هذا السياق، يجب على المراقب المحايد أن يرى إن كان لهذا التحول في السياسة النووية لإيران ما يدعمه من حيث التغيرات في أرض الواقع التي أعطت عناصر جديدة لدائرة صنع القرار الاستراتيجي الإيراني لكي تقوم بمثل هذا التغير الجذري في العهد الجديد للجمهورية الإسلامية الإيرانية.
في رأي المراقبين أنه يأتي على سلم هذه العناصر الجديدة لتغيير إيران لسياستها النووية:
1 – اكتشاف مدى البرنامج النووي العراقي في ما بعد هزيمة نظام صدام حسين في حرب تحرير الكويت عام 1991.
2 – تزايد الوجود الأميركي والغربي العسكري في منطقة الخليج في ما بعد حرب 1991.
والمهم عند مناقشتنا هذا الموضوع، أن التساؤلات حول حجم البرنامج، ومداه، ومراكزه، ومن يعمل به، ومن يزوده بالتكنولوجيا من الخارج، ومن يديره في الداخل وغيرها من التساؤلات أصبحت هي التي تحدد معالم السجال الدائر، منذ ذلك الوقت وحتى اليوم، بين إيران والمجموعة الدولية.

الطابع الثنائي المدني – العسكري للبرنامج الإيراني
• في ما يتعلق بالطابع ثنائي التوجه المدني – العسكري للبرنامج النووي الإيراني يقول Paul Kerr من وحدة الدراسات في الكونغرس الأميركي في تقييم للكونغرس في 2009، إن القلق الرئيسي هو بناء إيران مفاعل يقوم على أجهزة طرد مركزي قائمة على تكنولوجيا الغاز للتخصيب في ناتنز، حيث يقول الخبراء إن تخصيب غاز الهيكسافلورايد يؤدي إلى إنتاج يورانيوم عالي التخصيب HEU وهو أصعب مرحلة في دورة الوقود النووي. كما أن القلق الآخر هو بناء إيران مفاعلاً آخر يعمل بالماء الثقيل في آراك مما يؤدي إلى إنتاج مادة البلوتونيوم في وقوده المستخدم، (وكلاهما عنصران في أي برنامج نووي عسكري).
أما في مركز أصفهان التكنولوجي فيعمل ما يزيد على ثلاثة آلاف عالم ومختص وفني. كما أن المركز يضم مركز إنتاج الوقود الرئيسي، حيث تم إنتاج 366 طناً من هيكسافلورايد اليورانيوم منذ مارس 2004 تقريباً. هذا الوقود الذي يسمى مخزون التغذية للمفاعلات يحقن في أجهزة طرد مركزي في منشأة ناتنز لتخصيب اليورانيوم.
في ناتنز تقوم أجهزة الطرد المركزي من الجيل الأول التي تدعى IR-1 نسبة لإيران، والتي تم شراؤها من باكستان، بتدوير هكسافلورايد اليورانيوم بسرعة كبيرة من أجل زيادة نسبة يورانيوم – 235 فيه. وكما هو معروف، فإن اليورانيوم الطبيعي يحوي ما نسبته %0.7 من أعمدة يورانيوم – 235.
ومن ناحية التعريف فإن اليورانيوم منخفض التخصيب LEU هو الذي يتم تخصيبه ما بين %3 و%5، أما اليورانيوم عالي التخصيب HEU، فإنه الذي يتم تخصيبه بأي درجة تزيد على %20. ومع ذلك، فإن اليورانيوم عالي التخصيب الذي يمكن استخدامه في سلاح نووي يتطلب أن يكون قد تم تخصيبه بدرجة %90.
ويقدر ديفيد ألبرايت وهو مفتش سابق عن الأسلحة النووية في إيران لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية مدير مؤسسة العلوم والأمن الدولي في الولايات المتحدة حالياً: أن إيران تنتج يومياً 2.77 كيلوغرام من اليورانيوم منخفض التخصيب LEU.

قنبلة خلال شهرين؟
ويتفق مع رأي ألبرايت أيضاً مارك فيتزباتريك وهو خبير في منع انتشار الأسلحة النووية لدى المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن حيث يقول: إن إيران إذا خزنت الكمية الكافية من اليورانيوم منخفض التخصيب LEU التي لديها، فإن في إمكانها أن تنتج يورانيوم عالي التخصيب لسلاح نووي، بحيث تنتج قنبلة ذرية في خلال شهرين (من تاريخ تصريحه في نهاية سبتمبر 2009).
ويتفق ديفيد ألبرايت مع هذا التقدير الزمني (في مقابلة توجد على CFR.org). وفي هذه الأثناء (أي وقت تصريحات الخبراء هذه) أعلن مسؤولون أميركيون في سبتمبر 2009 عن اكتشاف منشأة قم النووية والتي باستطاعتها أن تؤوي 3000 جهاز طرد مركزي.
وهنا يؤكد الخبراء «أن هذا العدد (أي 3000 جهاز) ليس له معنى من المنظور التجاري لتخصيب اليورانيوم (أي منظور الاستخدام المدني)، ولكن إذا كان الهدف هو أن تنتج كمية صغيرة من اليورانيوم عالي التخصيب لأغراض إنتاج قنبلة أو قنبلتين سنوياً، فهذا هو العدد المناسب».

تقرير الوكالة الذرية
في 2009 تناقلت وكالة رويترز للأنباء خبرا مفاده أن محققي الوكالة الدولية للطاقة الذرية يريدون من إيران أن تشرح مغزى مخطط تنظيمي (لأنشطة إيران النووية وقع في يدهم) يربط بين برامج تخصيب اليورانيوم، اختبارات لمواد شديدة الانفجار، وتعديل رأس صاروخ تقليدي لكي يحمل عبوة نووية..
«لقد كان هذا العرض واضحا جدا… انه يركز بوضوح ما كنا نخشاه منذ سنوات، ونحن الآن ننتظر إجابات. تحدث السفير البريطاني لدى الوكالة سيمون سميث للمراسلين بعد عرض 25 فبراير».
ترد إيران بأن أنشطتها النووية هي فقط للإنتاج السلمي للطاقة الكهربائية، وأن المعلومات التي تم جمعها من جهاز كمبيوتر محمول تم تهريبه من الجمهورية الإسلامية وتسليمه لواشنطن إما أنه لا أساس لها من الصحة، أو أنها مزيفة، أو أنها لا تمت بصلة إلى الموضوع.

برامج.. واختبارات تفجير
خلال عرض الشرائح الذي قدمه رئيس شعبة أنظمة السلامة في الوكالة أولي هينونين تم تبيان الهيكل التنظيمي الذي يربط البرامج الثلاثة والتي أعطي كل منها اسما رمزيا: رقم (5) لمعالجة الوقود النووي.. ورقم (110) للبرنامج المتعلق بتجارب مزعومة لعبوة نووية… ورقم (111) لتكييف صاروخ بعيد المدى من نوع شهاب – 3 لكي يحملها… كما أن المشروع (111) كان يطلق عليه أيضا اسم «المكتب الزنبقي».
في واحدة من عشرات الشرائح أشار هينونين إلى تقرير عن تقدم أحد المشروعات في الفترة من 9 يوليو 2003 – 14 يناير 2004. وفي ملف آخر تبين أن العمل على تصميم الرأس النووي كان قد بدأ العمل به في يوليو 2002.
بين ملخص التقرير رسومات عن اختبارات تفجير أجريت على عمق 400 متر تحت الأرض، بحيث جرى التفجير من مسافة 10 كيلو مترات. كما استخدم في التفجير أسلاك تفجير عابرة (أو اتصالية) من أجل ضمان حدوث سلسلة تفجيرات في الطبقات المختلفة للرأس الحربي ضمن مدة لا تتجاوز نانو سكندز.
يقول هينونين في الموجز: إن استخدام أسلاك التفجير العابرة ذات الجهد العالي، والمفجرات المتعددة ذات الانفجار المسلسل، هي أجزاء أساسية من الأسلحة النووية.
وأشار هينونين إلى وثائق من البرنامج (111) تبين تمارين محاكاة رياضية لتصميم رأس حربي كروي الشكل مناسب لصاروخ شهاب – 3 بإمكانه أن ينفجر على ارتفاع 600 متر…
وتوقع هينونين أن الإيرانيين سوف يقولون إن المعلومات التي تشهد ضدهم مفبركة، فقام بالتوضيح لممثلي الدول الخمس والثلاثين في مجلس محافظي الوكالة الذرية أن هذه المعلومات التي احتواها الكمبيوتر الإيراني المحمول مدعومة أيضا بما استخلصه خبراء الوكالة أنفسهم بناء على جولاتهم التفتيشية على المواقع النووية الإيرانية.

تقنية سرية تمتلكها طهران
من جهة أخرى، فإنه من المثير للإعجاب في نظر المراقبين كيف أن الإيرانيين توصلوا للتقنية التي يتحدث عنها تقرير الوكالة الدولية للطاقة النووية.
وبين جوليان بورغر من صحيفة الغارديان – في لقاءاته مع خبراء الوكالة وخبراء الدول الممثلة في مجلس المحافظين – أن اسم الآلية هو «two-point implusion» وأن حتى وجود مثل هذه الآلية من عدمه يعتبر سريا جدا في كل من الولايات المتحدة وبريطانيا، ولكن طبقا لوثائق لم تنشر من قبل فإنه يبدو أن العلماء الإيرانيين قاموا باختبار جزء عالي التفجير من الآلية.
كما وصف الشعور بالدهشة الشديدة لدى علماء الوكالة لاكتشافهم أن الإيرانيين يعرفون عن هذه الآلية، مما زاد من الشعور بالاستعجال لعمل شيء ما لإيقاف البرنامج النووي الإيراني.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذه التكنولوجيا المعقدة سوف تمكن الإيرانيين من إنتاج رؤوس نووية أصغر وأبسط من الرؤوس القديمة. إنها تقلل من قطر الرأس الحربي وتجعل من السهل وضع هذا الرأس الحربي على مقدمة صاروخ.
كما يقول جيمس أكتون وهو خبير أسلحة نووية في مؤسسة كارنيغي للسلام العالمي انه: «من المدهش حقا أن الإيرانيين قبل أن ينجزوا الخطوة الأولى (في مشروعهم النووي) ينطلقون مباشرة إلى الخطوة الرابعة أو الخامسة… إن البدء بعدة تصاميم عالية التعقيد يبين درجة عالية من الطموح التقني الذي يثير الاستغراب».
ومن جهة أخرى، يطرح عالم غربي ضليع بالبرنامج الإيراني سؤال: من الذي زود الإيرانيين بهذه التقنية. هل كان لعبدالقادر خان العالم الباكستاني الذي اعترف عام 2004 بأنه كان يدير حلقة لتهريب التكنولوجيا النووية علم بها، أم أن هذا قام به آخرون؟
ومما يثير الدهشة بالنسبة لردة فعل الإيرانيين تجاه تقرير الوكالة الدولية هذا، أن الإيرانيين رفضوا الجزء الأكبر من المعلومات التي جاء بها تقرير الوكالة، ولكنهم اعترفوا بإجرائهم تجارب لتفجيرات متعددة تم توقيتها مجتمعة في حدود أجزاء الثانية، وأن هنالك تطبيقات مدنية – أيضا – لمثل هذه التقنيات، ولكنها حتى الآن لم تقدم أي دليل على مثل هذه التطبيقات لديها.

نقلا عن القبس الكويتية

21/11/2011

الكاتب: يوم 30 نوفمبر 2011. مصنّف في أبحاث, إيران, القوى الإقليمية. يمكنك متابعة التعليقات على هذا الموضوع بواسطة الاشتراك بالخلاصات - RSS 2.0. يمكنك ترك تعليق أو تعقيب على هذا الموضوع. | عدد القراءات: 1,047 قراءة

يجب أن تكون متصلاً حتى تتمكن من كتابة تعليق. تسجيل الدخول

معرض الصور

مساحة إعلانية
أمن الخليج | جميع الحقوق محفوظة